--------------------------
يعد التقنين الإسلامي بمصدره ونصه وروحه وتطبيقاته في دنيا الناس، واحداً من أعظم مظاهر حضارة الإسلام وريادته وقدرته على تنظيم المجتمع الإنساني وتحديد الحقوق والواجبات وضبط الأهواء وتحقق العدل بين البشر.
والتشريع الإسلامي من هذه الناحية لا يعد فقط تجسيدا لعقيدة إنسانية خالصة، أو لدعوة دينية عالمية، أو لعبادة ربانية تساوي بين الجميع.. ولكنه فوق هذا تنظيم قانوني رائع، يحقق مطالب النفس الإنسانية، وحاجات المجتمع والعمران البشري، ويجسد العدل في رفعته وسموه، ويحقق للناس، كل الناس، الأمان على أنفسهم وأموالهم ومصالحهم.
وعطاءات التشريع الإسلامي الحضارية في الواقع أعظم من أن تحصى، غير أن جوانب العدل الإنساني والإنسانية العالية، هي أبرز ما يميزه.
المفكر الإسلامي الدكتور طارق البشري النائب الأسبق لمجلس الدولة المصري وصاحب أكثر من 40 دراسة في مجالات القوانين الإسلامية والوضعية، يؤكد أن هذه السمة الإنسانية العادلة هي أعظم مقومات خلود هذا التشريع وصلاحيته للتطبيق في كل زمان وعلى كل أرض ومكان.
ويقول: القانون الإسلامي في حقيقته تلبية لحاجات نفسية ومادية في المجتمع، واستجابة لتطورات اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية مرت بها البشرية، بمعنى أن التشريع هنا ليس “دينا” فقط بالمعنى الضيق للدين كما هو موجود في عقول بعض مثقفي الغرب والشرق، ولكنه يوفر احتياجات ماسة للأوضاع والنظم والهياكل الإدارية والمعاملاتية الخاصة والعامة.
التشريع الإسلامي جزء من “الجماعة السياسية” في أبسط معانيها وهي الناس والأرض والقانون الحاكم، ولهذا كان الحاكم هو المنوط بتطبيق القانون، بعكس الاعتقاد وبعكس العبادة التي هي مسؤولية الضمير الفردي في الأصل.
كما كانت الشريعة محل الاجتهاد والبحث والتجديد في الفكر الإسلامي ومفكريه وفقهائه. فلأنها قانون للناس كانت مصلحة الناس وفهم الناس واجتهاد الناس من لوازم تطبيق الأحكام الشرعية بين الناس، وليس غريبا أن تتأصل بين علماء الشريعة هذه القاعدة المهمة وهي أنه حيث كانت مصلحة الناس فثم شرع الله. وليس غريبا كذلك أن يتضخم الفقه الإسلامي في العقلية القانونية الإسلامية على هذا النحو، ومعروف أن الفقه الإسلامي هو الجانب الاجتهادي الإنساني في فهم نصوص الشريعة، فهو إذن الخبرة التاريخية والرؤية المعاصرة والتجارب الحالية والماضية التي ينبغي استطلاعها والاسترشاد بها في الواقع المعاش.
وإذا كانت القوانين الإسلامية ذات وضع إلهي واضح، فهي كذلك ذات وضع إنساني خالص، فالله خالق كل البشر، والخالق عالم بالبشر وبما يصلحون به: “أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطِيفُ الْخَبِيرُ”. “أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ”.
ـ ديمقراطية التشريع
إذن فهذا السمت الإلهي للقانون هو في نفس الوقت تأكيد للسمات الإنسانية العامة.
ويوضح المستشار البشري: الشريعة الإسلامية هي جملة ما يتضمنه الإسلام من أصول وقوانين حاكمة للعبادات الدينية والعقيدة الإسلامية، والمعاملات بين البشر، وهي من هذه الزاوية قوانين ثابتة، لا تبتغي مصلحة وطنية ضيقة ولا حكماً عنصرياً طارئاً ولا خدمة أصحاب لغة أو لون أو حزب أو جماعة على حساب الآخرين. ثم هي قوانين مختبرة باجتهاد المفكرين، ومجربة في تجربة إنسانية طويلة بشكل يجعلها قادرة على الاستجابة للتطور الحضاري بشكل رائع وتلبية حاجات نظم الحكم والتقدم العلمي وكذا مقاومة الأجنبي وتحقيق الصالح العام للجماعة الإنسانية.
ولهذا ضمت الشريعة أصولا مرنة عامة كما اتسعت دائرة الإباحة وضاقت دائرة التحريم وتحددت الأصول وتعددت الفروع.
أيضا من الجوانب الإنسانية الواسعة عند تطبيق القوانين الإسلامية أنه يتاح للمواطن العادي أن تبسط أمامه وجهات النظر المتعددة وأن يبين العلماء له الفارق بين الأحكام القطعية والظنية وبين الحرام والحلال والآراء والأحكام بما يحقق نوعا من ديمقراطية التشريع والتقنين. وأن تراعى الأعراف والتقاليد حسب قدرها، وأن تحرك النصوص لتطبق على الواقع في سياق عقدي حضاري شديد السعة والإنسانية والدقة.
ـ المحرمات الخمسة
هذه السعة والإنسانية والمرونة والتجرد في الأحكام الشرعية جعلت القانون الإسلامي في حقيقته قانونا إنسانيا شديد الموضوعية والعدالة.. في إجماله وفي تفصيله.
يقول المستشار طارق البشري: العدل الإنساني هو أساس الحكم الشرعي، ويظهر هذا في التشريعات القانونية في نصها وتطبيقاتها.
فأبرز مظاهر القانون الإسلامي هي العقوبات التي تحافظ على ما أسماه الفكر الإسلامي بالكليات الخمس، حيث قرر الإسلام القصاص على من قتل عمدا، كما حرم المال وجرم من اعتدى عليه وقرر تطبيق حد السرقة على من يسرق، كما قرر تطبيق عقوبة الزنى على من يزني، وعقوبة القتل على المحارب الذي يروع المجتمع، وحافظ على العرض والعقل فحرم القذف والزنى والخمور والمخدرات وقرر على هذه الجرائم عقوبات متعددة ومتفاوتة.
وكما نرى، فهذه الكليات أو المحرمات الإنسانية الخمسة، يحتاجها كل الناس، وعملت جل الأديان والقوانين والنصوص السياسية الحديثة على صياغتها كما فعلت قوانين حقوق الإنسان في الإعلان العالمي عام 1948.
ـ عدل.. لا قسوة
والحق أن فكرة القساوة التي يرددها بعض خصوم الإسلام أو بعض الذين لا يفهمون “نظامه القانوني العام” ليس لها أي مبرر. فمن قتل يقتل ولو بعد حين، هكذا تقرر في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، والعدل والعقل الإنساني الصرف يقرر أن من يحمل السلاح ويزهق الأرواح يجب أن يقاوم بشتى أنواع العقاب، والعقاب الشرعي هنا كان إنسانيا وعادلا، فالشرع أعطى أهل القتيل الولاية الخاصة في سياق ولاية القاضي أو المجتمع العامة، وعند الثبوت اليقيني للجريمة فإن للولي أن يطلب القصاص، كما للولي أن يعفو عن القاتل ويطلب التعويض المادي بالدية، وقد يتم العفو النهائي برضا نفس دون عوض.. وقد صاغ القرآن هذا الحد في عبارات إنسانية رائعة. ومن هذا قول الحق: “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ”. “وَلاَ تَقْتُلُواْ النفْسَ التِي حَرمَ اللّهُ إِلا بِالحَق وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف في الْقَتْلِ إِنهُ كَانَ مَنْصُوراً”. “فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ من ربكُمْ وَرَحْمَةٌ”.
كذلك وضع الإسلام هذا الأصل الرحيم بين البشر، فبعد التحذير والتربية والتخويف دعا للعفو العام، ففي حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب”.
ـ ستر وليس فضحاً
ويعدد المستشار طارق البشري بعض مظاهر العدل الإنساني في التطبيق الإسلامي للعقوبات ومن ذلك:
أولا: رفض الإسلام مبدأ تتبع العورات لحد الجرائم أو استقصاء العقوبات. وهذا الخلق مطالب به الفرد العادي ومطالب به المجتمع كله ومطالب به الوالي أو رجل الشرطة والنيابة كما في العصر الحديث.. الإسلام يؤسس نظرته هنا على الستر. ومن دلائل هذا الحديث النبوي في توجيهه العام حيث قال عليه السلام: “لا تتبعوا عورات الناس”. ومن دلائل هذا أيضا ما عرف من أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى وهو خليفة المسلمين رجلا وامرأة على فاحشة، فاستشار صحابته فيما يفعل بهما دون أن يذكر اسميهما، فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: يأتي أمير المؤمنين بأربعة شهداء أو يجلد حد القذف إذ صرح باسمي من رآهما، مثله في هذا مثل بقية المسلمين. ثم تلا علي كرم الله وجهه قول الحق: “وَالذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُم لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً”. وهكذا، الفاروق عمر، وهو خليفة المسلمين، لا تقبل شهادته وحده على الزنى، لأن الأساس هنا هو الستر، ولأن العقوبة لها شروط وضوابط، ولأن هدف الدين كله هو حماية المجتمع ونشر الفضيلة وليس العكس.
ثانيا: القانون الإسلامي في حله وحرمته، وفي إجماله وتفصيلاته، وفي أدلته وقرائنه، يطبق على الجميع، فليس في تشريع الإسلام استثناء في الحلال أو الحرام أو تطبيق العقوبة أو قرار البراءة، وقد تضافرت النصوص الإسلامية لتأكيد هذا العدل الإسلامي في وضوح، بيد أن مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم الشهيرة في مبدأ تطبيق العقوبة على الجميع واضحة، ففي الحديث أن رسول الله قال: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”. وفي حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: “من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد صاد الله في أمره”.
ثالثا: من أبرز السمات الإنسانية في التعامل القانوني الإسلامي مع المخطئين، أنه يفتح لهم أبواب التوبة مع الله والناس فمعظم، إن لم يكن كل، الجرائم ينفع فيها الندم وتقبل التوبة ويسترضى أطرافها. كما أن المخطئ دائما مطالب دينا ودنيا بالرجوع عن الخطأ أو قبول العفو في حقه. ليس في القانون الإسلامي مجرم بطبعه أو على طول الخط، بل المعنى الإنساني العام ظاهر في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: “كلكم خطاؤون وخير الخطائين التوابون” وعندما طبق الرسول عقوبة الزنى في واقعة شهيرة قال عليه السلام: “لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم”.
ومما ينبغي الإشارة إليه في هذا الصدد أن الفكر الإسلامي قائم على عدم تعذيب المخطئ أو استنطاقه بالقوة للاعتراف بالجريمة. فمن الشروط المقررة في “الإقرار” باعتباره أحد أبرز أدلة الإثبات أن يكون المقر بالغا وأن يكون عاقلا وأن يكون مختارا يعني حر الإرادة ولا يقع تحت ضغط يؤثر في إقراره. حتى اعتبر الفقهاء المكره “غير مكلف” وقال شمس الدين قاضي زاده: “لا يلزمه إقراره” وقال ابن قدامة: “ولا نعلم خلافا في أن إقرار المكره لا يجب به حد” أي عقوبة.
رابعا: في التشريع الإسلامي خصيصة شديدة الأهمية تؤكد قدرته على التطبيق بالعدل في حياة كل البشر والمجتمعات، وهي أن القانون الإسلامي يعلي قيمة المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ويقاوم في النفس الإنسانية النزعات الفردية والغطرسة أو الأنانية. دائما مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد عند التعارض. ومن الأسف أن كثيرا من قوانين البشر الوضعية تعلي الغريزة الفردية على المصلحة الجماعية، وتسقط حق المجتمع في الحماية!
ويشدد المستشار طارق البشري على ضرورة الإلحاح على إبراز هذه العطاءات الإسلامية في مجال القانون والعقوبات الإنسانية، مؤكدا على أهمية أن تبرز هذه العطاءات الحضارية على مستوى الدراسات القانونية، وعدم التركيز على النصوص القانونية الغربية، والرد على من يثيرون الشبهات حول قسوة العقوبات، وتجاوز بعض الآراء المتطرفة التي طرحت في ظرف تاريخي محدد، وتفعيل عمليات الاجتهاد الفقهي على مستوى المجامع العلمية والدخول في حوارات موضوعية مع فقهاء القوانين الوضعية لإدراك القواسم الإنسانية المشتركة التي تخدم كل البشر.
نقلا عن صحيفة الخليج الإماراتية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق