بسم الله الرحمان الرحيم
منقول
* الشيشان في عهد القياصرة:
احتلت روسيا القيصرية بلاد القوقاز ومنها الشيشان في مرحلة متأخرة من بداية هجومها على العالم الإسلامي في آسيا، ذلك لأن الروس قد بدءوا باحتلال سيبريا وسائر أملاك دولة مغول الشمال، وفرضوا على أهلها التنصير بالقوة واستخدموا من أجل ذلك أبشع أنواع القهر والنكال وأنزلوا بمسلمي سيبريا واستراخان والأورال المذابح المروعة، فلما أرادوا احتلال بلاد القوقاز وجدوا مقاومة عنيفة من أهلها الذين هالهم ما حدث لإخوانهم المسلمين في سيبريا وغيرها، وقرروا التصدي للغزو القيصري بكل قوتهم حتى لا يكون مصيرهم الضياع مثل إخوانهم.
كانت السياسة التوسعية لروسيا القيصرية قائمة على أساس ديني بحت وهو القضاء على الإسلام والمسلمين وفرض النصرانية بالقوة، وذلك بنهب خيرات وثروات المسلمين، فلما احتل الروس شمال القوقاز عملوا على حصار المسلمين في الجبال وسلبهم المراعي والمناطق الزراعية، مع فرض الموالين والتابعين للروس في الولاية والإمارة المحلية، وقد قام الروس بالقضاء على المحاكم الشرعية والمدارس الإسلامية في الشيشان لقطع صلة الناس بدينهم وشريعتهم.
في سنة 1785م ظهر على مسرح الأحداث في الشيشان الشيخ منصور أشرمه، وكان من الزهاد العباد المجاهدين، وقد دعا الناس لجهاد الروس وطردهم من البلاد، ودعا أتباعه من أجل تحقيق ذلك إلى تطهير النفس واتباع الشرع، وقد التف حوله الآلاف من الشيشانيين والداغستانيين والأديغ، وظل الشيخ منصور يجاهد الروس حتى وقع أسيرًا بيد الروس الذين أعدموه، وتم التنكيل بأنصاره.
وفي سنة 1818م ظهر بطل آخر هو الشيخ الإمام الغازي محمد الكمراوي وكان أصله من الداغستان ولكن معظم عملياته كانت في الشيشان، وذلك بسب جبروت وتعسف القائد الروسي (ألكس برملوف)، ودخل ضده معارك طاحنة طيلة خمس سنوات وقد خر القائد محمد الكمراوي في آخرها شهيدًا.
بعد ذلك ظهر الإمام شامل الذي قاد مسلمي الشيشان والداغستان لإقامة دولة إسلامية بشمال القوقاز، وكان الإمام شامل فهمه للإسلام شاملاً وعميقًا، فأقام دولة حديثة مزودة بجيش قوي وأنشأ مصانع ومعامل للأسلحة، ونظم إدارات الدولة تنظيمًا دقيقًا، وبفعل تلك الخطوات الهامة ترسخت روح الاستقلال والإدارة على أساس الشريعة الإسلامية، وصمدت تلك الدولة لزيادة عن ربع قرن أمام قوات القياصرة الضخمة ولم تسقط إلا بفعل الخيانة والحسد والغيرة من بعض قواد الإمام شامل نفسه.
بعد سقوط دولة الإمام شامل فرض قياصرة روسيا على شعب الشيشان أقسى أنواع العذاب والنكال، وقاموا بتهجير نحو 3 ملايين مسلم من أهل الشيشان والقواز سنة 1864م إلى نحو 24 دولة منها بلغاريا وأرمينيا وقبرص ورودس وسوريا، وتم إحلال الروس مكانهم فحدث تخلخل في التركيبة السكانية، وتوسع الروس في إرسال البعثات التنصيرية الأرثوذكسية إلى بلاد الشيشان، ولكن لم يفد ذلك شيئًا مع أهل الشيشان لشدة تمسكهم بالإسلام واعتزازهم به.
* الشيشان في عهد الشيوعيين:
عندما قامت الثورة البلشفية حاول الشيوعيون استقطاب شعوب شمال القوقاز خاصة الشعب الشيشاني، فأبقت على كثير من المؤسسات التي استحدثها الإمام شامل بدون تغيير، فأبقت المحاكم الشرعية، كما سمحت لأبناء جبال القوقاز بحمل السلاح وأعفتهم من التجنيد الإلزامي، وذلك كله لكسب قلوب القوقازيين المشهورين بالقوة والبأس للصف الشيوعي، ولكن مع تلك الإجراءات والتسهيلات بنى الشيوعيون داخل بلاد الشيشان شبكة من الحصون العسكرية مما يدل على عدم ثقتها بالشعوب القوقازية.
في تلك الفترة كان أهل القوقاز يفكرون في إقامة اتحاد يضم شعوب شمال القوقاز ويكون بمثابة الجمهورية المستقلة ضمن الاتحاد الروسي المستقل، وبالفعل تأسست في مايو سنة 1918م جمهورية الجبل المتحد وتضم شعوب شمال القوقاز، فتوجس الشيوعيون من تلك الجمهورية بشدة ولكنهم تربصوا بها قليلاً حتى لا يثور مسلمو القوقاز لو تحرك الشيوعيون مباشرة ضد الجمهورية الوليدة.
أخذ الشيوعيون يعبثون بتشكيل تلك الجمهورية بالتبديل والتغيير والتهجير، فمرة تعتبرها أقاليم مستقلة، وتارة جمهوريات ذات حكم ذاتي، وتارة بالإلغاء والتجزئة، وأخذ الشيوعيون في البطش بأهل الشيشان والأنجوش على وجه الخصوص، فألغيت المحاكم الشرعية سنة 1926م، وعمل الشيوعيون على إلغاء الهوية القوقازية عن طريق تذويب شعوب القوقاز المسلمة في الشعوب الروسية، وعملوا على إلغاء الهوية الدينية الإسلامية بإغلاق المدارس الإسلامية والمساجد والجوامع ومصادرة الأوقاف، ومنع التعليم الديني، ومنع أداء الشعائر الدينية، ومحاربة العلماء واعتقال الشيوخ والمدرسين وإعدام الأئمة والخطباء بتهمة تصديهم للفكر الشيوعي الإلحادي.
وبلغ الاضطهاد الشيوعي مداه في عصر الطاغية ستالين عندما اتهم أهل الشيشان والأنجوش بالتآمر مع الألمان سنة 1944م أثناء الحرب العالمية الثانية، وأصدر قراره الظالم بتهجير حوالي نصف مليون مسلم من الشيشان والأنجوش إلى سيبريا وقازاقستان حيث هلك معظمهم جوعًا وبردًا، كما أنه قد حل جمهورية الشيشان والأنجوش وقسَّم أراضيها بين داغستان وأوسيتيا الشمالية، وظل الشيشانيون في المنفى حتى سنة 1957م حيث تم إعلان براءتهم مما نسب إليهم وعادوا إلى بلادهم ولكن بعد أن هلك معظمهم وضاعت أملاكهم وديارهم.
يتبع ان شاء الله..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق