إن الانسان الذي كرمه الله سبحانه و تعالى عن سائر مخلوقاته و علمه ما لم يعلم و منحه هذا العقل و القدرة على الأختيار , بالتأكيد يستحق هذا الإنسان أن يعيش مكرما , له كرامته و حقوقه و رسالته التي خلقه الله لها، و أن هذا الإنسان مفتاح تفوقه الوحيد على غيره من البشر هو ما يقدم من خدمات للبشر و كيف يمنح الأخرين و ينفع الأخرين، و من الممكن أن نستعير التعبير الإسلامي لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى و نستعير من القرأن الكريم " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" هكذا يتميز الإنسان بعمله لا بلونه ولا بنسبه ولا بجنسه فهي أمور هو نفسه لا يملك منها شيئا إن هي إلا إرادة الله التي خلقته على هذه الأصول...قدمت هذا الكلام لأن الحديث عن عنصرية الإنسان لأخيه الإنسان هي جريمة فادحة تستحق الثورة والمقاومة ولا أجد أفضل من يقاومها ممن أعتنقوا هذا الدين الحنيف دين الإسلام لله سبحانه و تعالى...أكتب هذه المقدمة كي أتكلم قليلا عن الحاج مالك شباز أو الأخ مالكولم أكس محاولا عرض وجهة نظره وكفاحه في مسألة المساواة والعنصرية وكيف كانت رؤيته للأمر رؤية ثورية تطورت حتى وصلت لمرحلة النضوج شأنه كشأن كل الباحثين عن الحقيقة وأظن أننا حينما نتكلم عن العنصرية يجب ان نتكلم عن أمريكا وإن كنا نتكلم عن رؤية مالكولم أكس فيجب كي نفهمها ونفهم منهجه أن نتكلم عن مارتن لوثر كينج وعن منهجه فإبراز الخلاف بين رؤيتهما لمواجهة العنصرية نستطيع أن نعرف أكثر من هو مالكولم أكس وكيف يفكر وكيف كانت رحلته مع الإسلام وكيف أستنبط منه رؤيته الناضجة الإيجابية.
كانت حياة مالكولم أكس لا تختلف عن باقي الزنوج في أمريكا في فترة الخمسينات حيث لا مستقبل ولا قيمة ولا كرامة فقط أفضل ما يمكن أن تحصل عليه هو رضا الرجل الأبيض و أن تكون خادما عنده، حياة قاسية هي تلك التي قتلت أباه قسيس الكنيسة على يد المعنصريين البيض فقط لأنه من الزنوج وكان يطالب بالحرية لبني جنسه وتسببت في تشريد أخوته ووفاة أمه بعد أن ثقل الحمل عليها، لم يكن أمامه خيار سوى أن يعيش كغيره من الزنوج تلك الحياة الضائعة التي انتهت به في نهاية المقام إلى السجن، ولعل هذه الحياة رغم صعوبتها في البداية إلا أنها أوجدت لدى ماكولم الرغبة في الخروج من هذه المنظومة التي لم تستطع تقديم أي عون له أو حتى احتوائه وعدم الاستمرار داخلها بأي شكل، فهو لم يجد فيها أي نوع من أنواع الانتماء، و هنا تظهر نقطة اختلاف رئيسية عن قرينه مارتن لوثر كينج الذي أيضا كان أبوه رجول دين مسيحي ولكنه أحتضن أبنه حتى وصل للجامعة وهو ما يوضح بشكل كبير أحد أوجه الاختلاف بين مالكولم أكس و مارتن لوثر كينج، فبينما تحمل مارتن لوثر كينج تلك الحياة الصعبة والعنصرية واستمر داخل تلك المنظومة التي استطاعت أن تعطيه بعض مما لم تعطه لمالكولم حتى أكمل تعليمه الجامعي، نجد مالكولم بشخصيته المتمردة قد رفض الاندماج فيها حتى ولو أدى ذلك لانحداره ودخوله السجن.
في السجن عرف الأخ مالكولم أن أخوته قد أعتنقوا الإسلام وانضموا لجماعة أمة الإسلام، كانت جماعة أمة الإسلام هي أكبر تنظيم إسلامي أمريكي كل أعضائه من الزنوج، وسنجد أن هناك فلسفة خاصة لجماعة أمة الإسلام، حينها بدأ مالكولم أكس يعرف شيئا عن الإسلام، و بدأ يقرأ كتابات اليجا محمد زعيم أمة الإسلام وتعلق به بشكل كبير في هذه المرحلة التي نستطيع أن نقول أنها إرهاصات فكر مالكولم أكس.
نظرا لصعوبة الاتصال بالمسلمين في المشرق العربي قام اليجا محمد بتشويه الإسلام تماما وتلخيصه في أن الأسود هو لون الخير والأبيض هو لون الشيطان، وهكذا كانت الحرب والعنصرية بين الشيطان الأبيض والملائكة السود، و قد آمن مالكولم أكس بهذا المنطلق في أولى مراحل إسلامه لهذا آمن أن البيض ما هم إلا شر وأنه لا خير يرجى منهم إطلاقا، وأن الحل الوحيد هو وحدة السود لإرغام الشر على البعد عنهم بأختصار عنصرية مضادة، ونشط مالكولم أكس في أمة الإسلام وصار متحدثا وخطيبا مفوها وتحرك في المسيرات ضد الشر الأبيض...حتى الآن لا نستطيع أن نرى شخصية مالكولم اكس الحقيقية، تلك الشخصية التي ظهرت بعد أن ذهب إلى الحج تلك العلامة الفارقة التي تساءل فيها كيف أكون مسلما ولا أعرف كيف أصلي...حينها رأي المسلمين أبيض وأسود وأصفر كلهم في صف واحد يسجدون للإله العلي القدير مهما أختلفت الوانهم، فقط تجمعهم كلمة التوحيد...هنا أدرك أنه كان مخطئا ليس الأسود ملاكا ولا الأبيض شيطانا كلاهما بشر وما يميزهم هو عملهم فحسب، فعاد مالكولم اكس رافضا تعاليم جماعة أمة الإسلام لينشيء الاتحاد الأفريقي الأمريكي، وداعيا إلى نشر الإسلام الصحيح في أمريكا حيث أدرك أنه الدين الصحيح والوحيد القادر على حل مشاكل العالم " ويصف رحلته للحج قائلا: "في حياتي لم أشهد أصدق من هذا الإخاء بين أناس من جميع الألوان والأجناس، إن أمريكا في حاجة إلى فهم الإسلام؛ لأنه الدين الوحيد الذي يملك حل مشكلة العنصرية فيها"
هنا بعد أن كانت الصحف تسعى لنشر كلماته النارية التي تهاجم البيض أينما كانوا صارت تبتعد عنه بعد أن لمست أنه يتجه اتجاها خطيرا، اتجاها جادا منهجيا من الممكن أن يغير الواقع الأمريكي فأثرت أن تبعده عن ذهن الناس فقد صار صاحب منطق وهدف حقيقي.
هنا نستطيع أن نتكلم عن مالكولم أكس الحاج مالك شباز حيث المرحلة الثانية والأهم في حياته حيث تبلورت رؤيته أن الناس ليسوا ملائكة وشياطين بسبب لونهم ولكنهم قد يكونوا كذلك بسبب أعمالهم، وهنا أجد ملاحظة هامة فكلا من دعوة مارتن لوثر كينج و مالكولم أكس قد تأثرتا بالدين بشكل كبير، فقد ركزت دعوة مارتن لوثر على المقاومة السلمية والدعوة إلى ما يشبه العصيان المدني دون أي أحتكاك من جانب الزنوج مع قوى الأمن مهما تعرضوا للأذي، في حين أن مالكولم أكس قد اختلف اختلافا رئيسيا في دعوته فهو يدعوا للتغيير السلمي ولكن إن قابلت أي إعاقة فيجب مقاومتها وبقوة ومنعها والاشتباك معها، ويوضح هذا الاختلاف في المنهج مقولتان الأولى "إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر" والثانية " إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فأقطع له يده حتى لا يضرب بها غيرك" الأولى منسوبة للسيد المسيح وهي تعبر بقوة عن منهج مارتن لوثر كينج، والثانية قالها مالكولم اكس واضعا روح الإسلام فيها، مقولتان تعرضان وجهتا نظر لحل نفس المشكلة الأولى تطرح عدم المقاومة ومحبة العدو مهما فعل كحل للأزمة العنصرية والثانية تطرح المقاومة لمواجهة العدو والرد عليه حتى لا يستمر في إيذاء الناس كحل لنفس الأزمة، وقد كان مالكولم اكس هنا يطبق رؤية الإسلام الشاملة المطابقة لكل زمان ومكان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي بها المقاومة الإيجابية وليست المقاومة السلبية التي ربما تناسب أوقاتا ولا تناسب أوقاتا أخرى، ومن مقولاته الهامة جدا التي توضح أنه لا يدعو لتدمير المنظومة الاجتماعية وتحطيم القوانين تلك التي يقول فيها "كن مسالماً ومهذباً أطع القانون واحترم الجميع وإذا ما قام أحدٌ بلمسك أرسله إلى المقبرة".
وأجد أن هذه العبارة منتهى الواقعية فإذا كنت أحترم القانون وأؤدي واجباتي تجاه مجتمعي فلست مدان لأحد ومن حقي أن أنال حقوقي كاملة ومن يتعد على لا تنازل له عندي فهذا هو المواطن سوي عليه واجبات وله حقوق.
يقول أيضا"لا أحد يمكن أن يعطيك الحرية ولا أحد يمكن أن يعطيك المساواة و العدل، إذا كنت رجلاً فقم بتحقيق ذلك لنفسك".
"لا تستطيع فصل السلام عن الحرية، فلا يمكن لأحد أن ينعم بالسلام مالم يكن حرا"ً
الغريب أن مالكولم أكس القديم المندفع بكراهية الشيطان الأبيض لم يحظ ببغض المخابرات الأمريكية و لكنه حظى بها عندما سافر لمصر والسعودية و عاد بالإسلام الصحيح ومعدلا لرؤيته وفكره، هنا عرفت ال CIA أن هذا الرجل صار خطرا لقد صار يعبر عن مليار مسلم وليس زنوج أمريكا ولقد أعاد الارتباط الطبيعي لمسلمي أمريكا بباقي العالم الإسلامي وهذا ما لا يعجب المخابرات الأمريكية خاصة ما يمكن أن يمثله من ضغوط على السياسة الأمريكية بسبب تأييدها للكيان الصهيوني لهذا يبدو أنها منحت الضوء الأخضر للخلاص منه وهو ما تم على يد جماعة أمة الإسلام...وبعده بسنوات لحق به مارتن لوثر كينج على يد العنصريين البيض...طريقان ونهاية واحدة هذا ما أستطيع أن أقوله عن مالكولم أكس ومارتن لوثر كينج، قد يكون مارتن لوثر كينج قد حظي بشهرة أكبر حيث الإعلام يدار بيد الساسة ولكن أعتقد أن مالكولم أكس هو رمز لشخص كان يبحث عن الحقيقة..قهر الظم داخل نفسه فقهره من حوله هكذا أراك يا حاج مالك شباز.
والآن في هذا الزمن بعد أن تضائلت العنصرية في أمريكا بشكل كبير أستطيع أن أقول طريق الحرية الذي سار فيه مالكولم أكس و مارتن لوثر كينج ما كان ليمهد لولا دمائهم التي سكبت عليه...طريق واحد و فلسفتان و نهاية واحدة...
اتحاد الشباب الإسلامي
الكاتب: محمود السخاوي

سبحان اللة
ردحذفسبحان اللة
ردحذف